تاريخ النشر:
3150

بين مجهر العالِم وفطرة الأعرابي

توضيح بساطة الأدلة الإيمانية بين فطرة الأعرابي ودقة المختبرات الحديثة، وكيف أن جحودها ينبع من الكبر لا من نقص المعرفة.

 بين مجهر العالِم وفطرة الأعرابي

إنَّ آيات الله في الآفاق وفي الأنفس لم يجعلها سبحانه لغزاً يحتاج حله إلى خوارزميات معقدة، بل جعلها براهين جلية يتساوى في إدراك أصلها الأعرابي البسيط في جوف الصحراء، والعالِم المتعمق في المختبرات الحديثة. فالفطرة التي غرسها الله في القلوب تنطق بأن لكل مصنوع صانعاً، ولكل نظام منظماً؛ فالأعرابي حين سُئل عن الدليل قال بفطرته السليمة: «إن البعر ليدل على البعير، وإن أثر الأقدام لتدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير؟» 1. فهذا المنطق الفطري هو ذاته المنطق الرياضي الذي يحكم عقول العلماء، إذ لا يمكن للعقل أن يقبل خروج الموجود من العدم، أو نشوء النظام الفائق من الفوضى العمياء.

وإن العجب كل العجب ممن تبحر في علوم الكون وتعمق في دقائق الفيزياء، ثم ينتهي به المطاف إلى القول بالصدفة. إن هذا العالِم يقع بصره على آيات باهرات تكفي لإيمان أمم بأكملها، لكن المشكلة ليست في نقص الدليل، بل في كِبْر النفس وإعراضها. إن جحودهم هذا هو عين التكبر الذي ذكره الله في كتابه: ﴿وَجَحَدُوا۟ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ﴾ [النمل: 14]. وصدق الحسن البصري إذ يقول: «فإنها لا تَعمَى أبصارُهم أن يُبصروا بها الأشخاصَ ويَرَوْها، بل يُبصِرون ذلك بأبصَارِهم، ولكن تَعمَى قلوبُهم التي في صدورِهم عن إبصارِ الحقِّ ومعرفتِه» 2؛ فالحق ظاهر، ولكن القلب المستكبر يضع على نفسه الغشاوة.

لذلك، لا ينبغي للمؤمن أن تذهب نفسه حسرات على هؤلاء الذين اختاروا العمى على البصيرة وهم ينظرون، كما قال الله عز وجل لنبيه ﷺ: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَٰتٍ ۚ﴾ [فاطر: 8]. فالعذاب الذي ينالهم ليس ظلماً، بل هو جزاء وفاق لإعراضهم عما علموا يقيناً؛ فالعالم الذي رأى ملايين الأدلة في مخبره ثم أشرك، هو أشد جرماً ممن لم ير إلا إبلاً تَرعى، لأن الحجة عليه كانت أَنصع. إن الاستكبار عن مقام العبودية هو العلة الحقيقية خلف الإلحاد، فكل ذرة في هذا الوجود هي رسالة من الخالق، فمن قرأها وتجاهل مرسلها فقد استحق بمحض عدل الله نكاله.

فالخالق سبحانه جعل في كل شيء له آية تدل على أنه الواحد، وهذه الآيات معروضة للجميع؛ يُبصرها العامي بيقينه، والعالِم بمجهره، والمثقف بتأمله. ومن أعرض بعد كل هذا الوضوح، فقد أقام الحجة على نفسه، وأثبت أن العمى ليس في البصر بل في القلوب التي في الصدور، فكان عدل الله فيهم سارياً، وحكمه فيهم باقياً، فلا أسف على من رأى الحق ثم دفعه استكباراً وعلواً.

الهوامش

  1. أخرجه ابن كثير في «تفسير القرآن العظيم» عند الآية (21) من سورة البقرة. ↩

  2. الطبري، «جامع البيان عن تأويل آي القرآن»، تفسير الآية 46 من سورة الحج. ↩

هل أعجبك المقال؟