بين الرحمة والعلم
بيان فلسفة أهل الحديث في افتتاح مجالسهم بحديث الرحمة المسلسل بالأولية، والربط بين العلم الشرعي وتحقيق الرحمة الحقيقية للخلق.
اعتاد جهابذة المحدثين على مدار القرون أن يفتتحوا مجالس سماع العلم بتلقين طلبتهم حديثاً مخصوصاً، يُعرف عندهم بـ «المسلسل بالأولية»، وهو حديث: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» 1. هذا التسلسل الذي ينقطع عند الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله، الذي سنَّ هذه السنة المباركة، لم يكن مجرد تقليد عابر، بل هو منهج تربوي عميق يُرسي قاعدة كبرى: أن العلم لا يُطلب إلا لتحقيق الرحمة، وأن حامل السنة لا بد أن يتحلى بخلق الرحمة قبل أن ينشر فقه الدين بين الناس.
وعند تأمل قصة الخضر وموسى عليهما السلام، وهي القصة الأم في أدب التتلمذ والاستفادة، نجد الله سبحانه يقول في وصف الخضر: ﴿ءَاتَيۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمٗا﴾[الكهف: 65]؛ فقدّم الرحمة هنا على العلم للتنبيه على أن الرحمة التامة لا تأتي إلا بالعلم التام المستفاد من الوحي؛ فالعلم هو الذي يُبصّر المرء بمواطن الرحمة الخفية التي قد يحسبها الناس قسوة. وفي رحلة الخضر، نرى أفعالاً لا يرى فيها العامة رحمة، كخرق السفينة الذي بدا في الظاهر إفساداً، لكنه كان عين الرحمة لحماية السفينة من ملك غاصب، وكذلك قتل الغلام الذي ظاهره مصيبة، وباطنه رحمة بأبويه المؤمنين ورحمة بالغلام أن لا يكبر كافراً، وإقامة الجدار التي بدت إحساناً لقوم لئام، لكنه كان رحمة ليتيمين لا ذنب لهما.
هكذا هو الوحي؛ يُبصّر العبد بما غاب عن عينه، فالناس اليوم قد يرون القصاص قسوة، لكن الوحي يراه رحمة وحياة: ﴿وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾[البقرة: 179]. الرحمة ليست ليناً مفسداً، بل هي منع الظالم لينجو المجتمع، وإن عامة الأمور المستحسنة في الشرع لا تنتشر إلا بأمور قد يراها الجاهل قاسية، كالجهاد، والعقوبات، والبراء من المخالف؛ فهذه جراحات طبية ضرورية لحفظ جسد الأمة. وكما قال ابن القيم رحمه الله: «فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها» 2.
لذلك، كان تلقين حديث الرحمة في أول لقاء إشارة للتلميذ أنه سيسمع حديث رسول الله ﷺ ليفهم معنى الرحمة كما ينبغي، فلا رحمة بدون علم، وكل رحمة لا تنبع من الشرع فهي عبث يقود للضياع. فالبداية بالرحمة هي بيعة بين الأستاذ والتلميذ على أن يكون هذا العلم حياة للناس، وأن يكون طالب العلم حاملاً لميزان الله، لا لأهواء الناس الذين يرون الرحمة في تطييب خاطر المريض بما يضرُّه، ويعمون عنها في منع المنكر أو إقامة الحدود، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «أهل السنة أعلم بالحق، وأرحم بالخلق» 3، وهذا هو المقصد الأسمى لطلب الحديث ونشره.
الهوامش
-
أخرجه الترمذي في «سننه»، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة الناس، برقم (1924)، وقال: «حديث حسن صحيح»، وأخرجه أبو داود في «سننه» برقم (4941). ↩
-
ابن القيم، «إعلام الموقعين عن رب العالمين»، تحقيق: محمد عبد السلام شاهين، دار الكتب العلمية، بيروت، (3/ 11). ↩
-
ابن تيمية، «منهاج السنة النبوية»، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة الأولى، (5/ 158). ↩
مقالات قد تهمك
اقرأ المزيدمن المدونة
740مركزية الإسناد في حسم النزاع
بيانٌ لمركزية الإسناد في حسم النزاع مع الفرق المخالفة، وكشف تهافت الأصول التي تعتمد عليها المذاهب المارقة في توثيق مروياتها.
4242سموم الترفيه
بيان خطورة المادة الترفيهية التي تمس جناب التوحيد، والمقارنة بين مفسدة الشهوة ومفسدة الشبهة الشركية في المحتوى المعاصر.
542فقه المزاحمة الرقمية
مقال يتناول كيفية التعامل الشرعي مع وسائل التواصل الاجتماعي، وضوابط المزاحمة الرقمية بين نشر الحق وإماتة الباطل.
