مركزية الإسناد في حسم النزاع
بيانٌ لمركزية الإسناد في حسم النزاع مع الفرق المخالفة، وكشف تهافت الأصول التي تعتمد عليها المذاهب المارقة في توثيق مروياتها.
إنَّ النقاش العلمي الرصين بين المذاهب والأفكار يقتضي وجود أرضية معرفية مشتركة ومعايير نقدية متفق عليها، ولكن المتأمل في حال أهل السنة والجماعة مع غيرهم من الفرق والمناهج المخالفة، يجد أنَّ النقاش يغلب عليه الانقطاع في المبادئ قبل الوصول إلى الفروع؛ ومرجع ذلك إلى أنَّ أهل السنة يبنون دينهم على الإسناد الذي هو من الدين، كما قال الإمام عبد الله بن المبارك -رحمه الله-: «الإسنادُ من الدِّين، ولولا الإسنادُ لقال من شاء ما شاء» 1. فالدين ليس دعاوى تُلقى، بل هو نقلٌ مصدَّق برواية العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه عبر أدق منظومة نقدية عرفتها البشرية؛ حيث فحص العلماء اتصال السند، وعدالة الرواة، وضبطهم، وعرضوا المتون على نقد صارم لنفي الشذوذ والنكارة، وهو منهج لا يخضع للأمزجة أو الأهواء، فقد أثنى الله على حفظ كتابه، ومن حفظ الكتاب حفظ السنة الشارحة له، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾[الحجر: 9]، بينما تقوم المناهج المخالفة على مرويات لا تصمد أمام أدنى قواعد النقد، بل هي منقطعة الأصول مجهولة الأسانيد، تجعل من الهوى المذهبي ميزانًا للقبول والرد، فيأخذون ما يوافق آراءهم ويطرحون ما يخالفها قسراً.
ومن هنا يتبين أنه لا يمكن لطالب حق أن يناظر أحداً يعتمد على دواوين مجهولة النسب أو منقطعة السند ثم يجعله حجة على الدين؛ إذ كيف يُعتدُّ بكتاب لا وجود له في تاريخ التدوين المبكر، أو بشخصيات مجهولة لا ذكر لها في كتب التراجم والجرح والتعديل، فضلاً عن حشو المرويات بالمنكرات لتبرير عقائد مبتدعة. وكذلك الحال عند من بنوا أصولهم على دواوين متأخرة تفتقر لأصل الإسناد المتصل بمفهومه العلمي، وتقوم على مرويات الآحاد عن المجاهيل مع الطعن في حملة الوحي من الصحابة؛ فإذا هدموا الجسر سقط كل ما نقلوا. بل إن بعض المذاهب لما وجدت أن النصوص القطعية تنقض أصولها العقدية، لم تجد مفراً من أدعاء الطعن في سلامة النص القرآني أو ادعاء التحريف والتحوير، فبأي حق يُطالب السُّني بمناقشة فروع مذهب لا يملك أصلاً صحيحاً في النقل؟
وإنَّ أعظم دليل عقلي يقطع الطريق على من زعم أن التصحيح والتضعيف عند أهل السنة يتبع الهوى المذهبي، هو موقفهم في نازلة خلق القرآن؛ فبالرغم من شدة تلك المحنة التي زلزلت الأركان، وامتحن فيها الأئمة كأحمد بن حنبل -رحمه الله- امتحانًا عظيمًا، إلا أنهم لم يضعوا أو يصححوا حديثًا واحدًا مرفوعًا ينسب للنبي ﷺ القول بأن القرآن غير مخلوق نصرةً لموقفهم أو حسمًا للخلاف واستراحةً من العناء، بل تمنعوا عن ذلك لشدة ديانتهم، وصرحوا بأن هذا اللفظ لم يرد مرفوعًا وإنما هو ثابت بالآثار الصحيحة عن الصحابة والتابعين 2. وهذا التمايز الدقيق بين مقام العقيدة وصناعة الحديث يثبت نزاهة هذا المنهج؛ فمتى ما رأيت مسلكاً يضل في بديهيات شرعية، أو يتمسك بمنكرات عقدية لأجل رواية منحولة، تعلم أنَّ الخلل في أصل المصدر لا في مجرد الفهم، وهذا هو الفارق الجوهري مع أهل الحديث الذين يضعون الشروط على السند أولًا، فما صح قبلوه وإن خالف أهواءهم، وما ضعف ردوه وإن وافق آراءهم، بخلاف الاتجاهات التي عجزت عن إقامة الحجة من صحيح المنقول فاستبدلته بالتحريف أو التأويل الباطني بناءً على شبهات فلسفية متهالكة ومرويات موضوعة تصادم أصول الملة.
فأهل السنة لا يناقشون المخالفين في المعنى فحسب، بل في آلة التلقي وركيزة التأكد؛ فمن يطعن في ناقل الخبر (كالصحابة) أو يعتمد على مسند مجهول لا يُعتدُّ بقوله في دين الله، وقد قال الإمام مالك -رحمه الله-: «إنَّ هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم» 3. لذا فإن منهج أهل السنة طردي مستقيم: قال الله، قال رسوله، قال الصحابة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا﴾[النساء: 115]. فسبيل المؤمنين (الصحابة ومن تبعهم) هو الميزان، بينما غيرهم من أصحاب الأهواء خبطوا في ظلمات الانقطاع وعصبيات المذاهب التي جعلت الوحي يُحمل على المذهب قسراً، مما يؤكد أن آرائهم لم تُبنَ على الوحي، بل حُمِل الوحي على المذهب تشهيًا.
ومن هنا نقول: إنَّ المنهج الوحيد الذي يملك تاريخاً توثيقياً لكل حرف ينطق به هو منهج أهل السنة، لذلك لا مجال للنقاش مع من يختلقون الأدلة ثم يبحثون لها عن دين؛ فالتُّرفع عن مناظرتهم هو محض العقل، إذ لا يصح بناء الفروع على أصول منهارة، فإذا سقط المصدر سقط ما بعده بالضرورة. والحق أبلج والباطل لجلج، وقد جعل الله لهذا الدين حرسًا ينفون عنه انتحال المبطلين، فاستغنت الأمة بصحيح منقولها عن كذب الكذابين، وكما قال النبي ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله» 4.
الهوامش
-
مُقدّمة صحيح مسلم، الإمام مسلم بن الحجاج، دار إحياء التراث العربي - بيروت، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، (1/15). ↩
-
يُنظر: الرد على الزنادقة والجهمية، الإمام أحمد بن حنبل، وسير أعلام النبلاء في قصة المحنة (11/160). ↩
-
مُقدّمة صحيح مسلم، باب: البيان بأن الإسناد من الدين، (1/14). ويُنظر: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، الخطيب البغدادي، دار ابن الجوزي، (1/129). ↩
-
صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي...»، حديث رقم (7311)، وصحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق»، حديث رقم (1920). ↩
مقالات قد تهمك
اقرأ المزيدمن المدونة
4241الإستواء معلوم
بيان منهج أهل السنة والجماعة في إثبات صفة الاستواء لله عز وجل، والرد على شبهات المتأولين وفق فهم السلف الصالح.
4202بين الرحمة والعلم
بيان فلسفة أهل الحديث في افتتاح مجالسهم بحديث الرحمة المسلسل بالأولية، والربط بين العلم الشرعي وتحقيق الرحمة الحقيقية للخلق.
4343سموم الترفيه
بيان خطورة المادة الترفيهية التي تمس جناب التوحيد، والمقارنة بين مفسدة الشهوة ومفسدة الشبهة الشركية في المحتوى المعاصر.
