سموم الترفيه
بيان خطورة المادة الترفيهية التي تمس جناب التوحيد، والمقارنة بين مفسدة الشهوة ومفسدة الشبهة الشركية في المحتوى المعاصر.
إن مما ابتليت به الأمة في عصرنا هو انفتاح موارد التلقي لدى الناشئة والكبار على منتجات ترفيهية ظاهرها التسلية وباطنها المهالك العقدية. وإن الناظر بعين الشرع ليدرك أن هذه المخاطر لم تعد محصورة في نوع دون آخر؛ بل أضحت تتسلل عبر شاشات الألعاب الإلكترونية، وتنسرب في ثنايا المسلسلات والأفلام العالمية، وإن كان ظهورها وتجسدها يكثر تحديداً وبشكل صارخ في الأنمي.
ولقد تجاوزت هذه المواد في خطورتها كثيراً من المعاصي الظاهرة التي تقوم على الشهوات؛ ذلك أن الشهوة معصية يدرك صاحبها قبحها ويرجو التوبة منها، أما الشبهة والكفريات فهي هدم لأصل الإيمان وتدنيس لجناب التوحيد، وهو مقام أخطر وأشد جرماً عند الله تعالى، وقد قرر الإمام ابن القيم رحمه الله أن جنس الشبهات أفسد للدين من جنس الشهوات، فقال: «فتنة الشبهات مآلها إلى الكفر والشرك، وهي فتنة المنافقين وفتنة أهل البدع، وفتنة الشهوات مآلها إلى الفسق والمعصية» 1.
ففي حين يعلم مشاهِد المسلسلات التي فيها عري أو موسيقى أنه يعصي الله بنظره وسمعه، نجد كثيراً من متابعي الأنمي وبعض الألعاب الحديثة ينغمسون في مشاهد تحوي شركيات صريحة، مثل ادعاء قدرة بعض الشخصيات على إحياء الموتى، أو التصرف في الكون، أو تقديس آلهة مزعومة للرعد والنار والريح -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً-. وإن تلقي هذه الكفريات -سواء كانت رسماً كرتونياً أو تمثيلاً واقعياً أو لعباً تفاعلياً- على سبيل الاستمتاع والتأثر العاطفي بالشخصيات يقرر في القلب مودة الباطل؛ فإن الرضا بالكفر كفر، والاستئناس بالشرك يورث موت القلب وضعف الغيرة على توحيد رب العالمين.
وقد حذر القرآن الكريم من مقام المجالسة التي يكفر فيها بآيات الله، فقال سبحانه: ﴿وَقَدۡ نَزَّلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أَنۡ إِذَا سَمِعۡتُمۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ يُكۡفَرُ بِهَا وَيُسۡتَهۡزَأُ بِهَا فَلَا تَقۡعُدُواْ مَعَهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦٓ إِنَّكُمۡ إِذٗا مِّثۡلُهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡكَٰفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾[النساء: ١٤٠]. فآية النساء دلت صراحة على أن من شهد الباطل والكفر راضياً مستمتعاً غير منكر، فهو في الإثم سواء مع فاعله. وهذا ينسحب على الشاشات التي هي مجالس العصر الحديث؛ فكيف يطيب لمسلم يقول «لا إله إلا الله» أن يشاهد قصة أو يمارس لعبة تقوم على تأليه المخلوق أو السجود لغير الله، ثم يقول إنما هي تسلية؟
إن المقارنة بين مفسدة الشهوة و مفسدة الشبهة الشركية تحسمها قواعد الشرع؛ فالزنا والعري والموسيقى من الكبائر والفواحش، لكن الشرك هو الذنب الذي لا يغفره الله لمن مات عليه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾[النساء: ٤٨]. وهذه المصنفات الترفيهية -وعلى رأسها الأنمي- تبث اليوم عقيدة وحدة الوجود وتناسخ الأرواح وتجسيم الخالق، مما يجعل خطرها يمس أصل العقيدة لا فروع الأعمال فقط، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فإن التوحيد هو أصل الإيمان، وهو الكلمة الفاصلة بين أهل الجنة وأهل النار» 2.
فالمسلم الحريص على نجاته يجب أن يكون أشد حذراً من هذه السموم الملونة مهما تعددت قوالبها، وأن يعلم أن تربية العين على رؤية الشرك تألفه، وتربية الأذن على سماع الكفر تذهب تعظيم الخالق من النفس. فالحق الذي لا مراء فيه أن ترك هذه الأعمال وتحذير الأبناء منها هو من أوجب الواجبات، ولنعلم أن التسلية بما يغضب الله في توحيده هي أعظم خسراناً من أي لذة أخرى، والواجب هو الاستعاضة عنها بما ينفع ويسر في الدنيا والآخرة، والله المستعان.
