مناط التكليف وحجاب الفتاة
تأصيل شرعي لمسؤولية الوالدين في ستر الفتاة عند البلوغ، وكشف الأوهام العاطفية التي تصادم الحقائق الفطرية والأحكام الفقهية.
إنَّ من أخطر المزالق التي تقع فيها بعض الأسر المسلمة اليوم، ظاهرة التساهل في ستر الفتاة التي بلغت مبلغ النساء شرعاً، تحت ذريعة أنها ما زالت صغيرة في أعين والديها. وهذا التصور ينطلق من معيار عاطفي مَحض يصدم الحقائق الشرعية التي لا تجامل أحداً؛ فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍۢ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلًۭا مُّبِينًۭا﴾ [الأحزاب: 36]. إنَّ هذا التساهل قد يفضي بالأبوين إلى نوع من الدياثة الغافلة؛ حيث يُقرّان بداءة الزينة وفتنة التبرج في أهل بيتهما ممن وجب سترهن، وقد حذر النبي ﷺ من ذلك بقوله: «ثلاثةٌ لا ينظرُ الله عزَّ وجل إليهم يوم القيامة؛ العاقُّ لوالِدَيه، والمرأة المترجِّلة، والدَّيُّوث» 1.
إنَّ المعيار في الشريعة ليس بالنظر إلى رؤية الوالدين لفلذة كبدهما، بل بما جعله الله علامة فارقة على انتقال المرء من دائرة الطفولة إلى دائرة التكليف والمحاسبة. فالبلوغ الشرعي للأنثى يترتب عليه وجوب الستر والحجاب، وهو يتحقق بظهور إحدى العلامات المعروفة (الحيض، أو السن، أو الإنبات، أو الاحتلام). ويؤكد هذا ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «لا تُقبَل صلاة حائض إلا بخِمار» 2؛ فمتى جرى عليها القلم، وجب عليها ما يجب على النساء. وهنا تعظم مسؤولية الأم خصوصاً، فهي الألصق بابنتها والأعلم بتفاصيل شؤونها، فيجب عليها إخبار الأب والتعاون معه على أمرها بالستر، امتثالاً لقوله سبحانه: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًۭا﴾ [التحريم: 6].
ومِن أوهام العصر رمي من يشتهي الفتاة البالغة (التي يُسمونها مراهقة) بأنه مريض نفسي؛ وهذا مصادمة للفطرة التي خلق الله عليها الرجال. فالله جعل في الرجل غريزة تنجذب للأنثى متى ما بدت عليها معالم الأنوثة، بصرف النظر عن عمرها الحسابي. فالمراهقة باصطلاح العصر هي امرأة باصطلاح الشرع والفطرة، وتركها تمشي بين الرجال بلباس يبدي مفاتنها بحجة صغرها هو تعريض لها للسهام المسمومة. يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله-: «كل الحوادث مبداها من النظر» 3، فكيف إذا كان المنظور إليه فتاة برزت معالم أنوثتها؟ إن هذا التفريط خيانة للأمانة، وقد قال ﷺ: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» 4.
إنَّ الغيرة الإيمانية تقتضي صيانة العرض عن مواطن الريبة، فمن رأى ابنته قد بلغت ثم هو وأمها ينظران إليها تخرج كاسية عارية ويقولان: «هي طفلة»، فقد أماتا نخوة الدين في قلبيهما. وقد كان السلف يحرصون على تربية الصغار على الحشمة قبل البلوغ؛ لقول النبي ﷺ: «علِّموا أولادكم الصلاة إذا بلغوا سبعًا» 5، ويقاس عليها سائر شعائر الدين لتعتادها النفس. فالحجاب حكم رباني مرتبط ببدء الفتنة وحصول البلوغ، والواجب على الوالدين أن يعلموا أن التعود هو نصف التربية؛ فمن اعتادت التبرج في صغرها صعب عليها الحجاب في كبرها. إن البالغة امرأة كاملة في نظر الشرع، وسترها صيانة للمجتمع، وحفظ لطهارة البيت، وبراءة للذمة أمام من سيسأل كل راع عما استرعاه.
الهوامش
-
أخرجه النسائي (2562) واللفظ له، وأحمد (6180). ↩
-
أخرجه أبو داود (641)، والترمذي (377)، وابن ماجه (655)، وأحمد (25167) واللفظ له. ↩
-
الداء والدواء (1/153)، الإمام ابن القيم الجوزية. ↩
-
أخرجه البخاري (2554)، ومسلم (1829)، وأبو داود (2928)، والترمذي (1705)، والنسائي في «السنن الكبرى» (9173)، وأحمد (5167) واللفظ له. ↩
-
أخرجه البزار (9823) واللفظ له، وأورده ابن حبان في «المجروحين» (2/85). ↩
مقالات قد تهمك
اقرأ المزيدمن المدونة
4383سموم الترفيه
بيان خطورة المادة الترفيهية التي تمس جناب التوحيد، والمقارنة بين مفسدة الشهوة ومفسدة الشبهة الشركية في المحتوى المعاصر.
3150بين مجهر العالِم وفطرة الأعرابي
توضيح بساطة الأدلة الإيمانية بين فطرة الأعرابي ودقة المختبرات الحديثة، وكيف أن جحودها ينبع من الكبر لا من نقص المعرفة.
4381ميزان الوفاء في كشف حقيقة الانتماء
رسالة في تقرير رابطة الإسلام ونبذ العصبيات الجاهلية والحدود المحدثة.
