تاريخ النشر:
4381

ميزان الوفاء في كشف حقيقة الانتماء

رسالة في تقرير رابطة الإسلام ونبذ العصبيات الجاهلية والحدود المحدثة.

 ميزان الوفاء في كشف حقيقة الانتماء

تقوم حقيقة الدين على إخلاص التوحيد لله رب العالمين، ومن لوازم هذا التوحيد أن تكون الرابطة التي تجمع الناس وتفرقهم هي رابطة الإيمان وحده، فلا يشركها في ذلك عصبية لنسب، ولا حمية لأرض، ولا انتماء للون أو لسان؛ إذ قطع الله سبحانه كل صلة لم تُبنَ على التقوى بقوله عز وجل: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَلَآ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ﴾ [المؤمنون: 101]. فإذا كانت أعظم الروابط البشرية وهي القرابة تنقطع، فمن باب أولى ما دونها من حدود رسمها البشر أو تراب غلا في القلوب حبه حتى صار ميزاناً للولاء والبراء.

وقد استقرت أصول السلف الصالح على أن الإسلام يجبُّ ما قبله من دعاوى الجاهلية، وثبت في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في قصة المهاجري والأنصاري حين نادى كل منهما بشعار قومه، أن النبي ﷺ قال: «ما بالُ دَعوى الجاهليَّة؟ ... دعوها فإنها مُنتنة» 1. وفي تسمية النبي ﷺ لأعظم الألقاب الإسلامية -المهاجرين والأنصار- جاهلية حين استُعملت في سياق الفرقة والنزاع العصبوي، دلالةٌ ظاهرة على نكارة الاستبدال بها ألقاباً أحدثها أعداء الملة لتمزيق جسد الأمة الواحد؛ فالمؤمنون أمة واحدة من دون الناس، يجمعهم قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ۚ﴾ [التوبة: 71].

وبالنظر في سير الصحابة الكرام، يُلحظ أن بلالاً الحبشي، وصهيباً الرومي، وسلمان الفارسي، قد ارتفعوا بإسلامهم فوق أقدار قومهم، حتى قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا» 2 -يعني بلالاً-. فقد صهر الوحي الفوارق العرقية والجغرافية في بوتقة التوحيد، وصار الميزان قوله تعالى: ﴿لِتَعَارَفُوٓا۟ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ﴾ [الحجرات: 13]. ومن المتقرر شرعاً أن حصر الوفاء والنصرة في حدود سياسية ضيقة، أو تقديم مصلحة القطر الواحد على مصالح المسلمين العامة، هو نقض لعروة من عرى الإيمان، ومشابهة لأهل الجاهلية الذين قال فيهم النبي ﷺ: «من قاتل تحت راية عميَّة، يغضب لعصبية، أو يدعو إلى عصبيَّة، أو ينصر عصبيَّة، فقُتِل، فقَتْلُه جاهلية» 3.

ولا يقتضي هذا التقرير جفاء الأرض التي نبت فيها المرء، فحب الأوطان غريزة في النفوس، ولكن المذموم شرعاً هو جعل هذا الحب حاكماً على الشرع، أو مانعاً من نصرة المسلم لأخيه المسلم خلف الحدود. وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على أن: «وكل ما خرج عن دعوى الإسلام والقرآن؛ من نسبٍ أو بلدٍ أو جنسٍ أو مذهبٍ أو طريقةٍ: فهو من عزاء الجاهلية» 4. فالمكان لا يشرف ساكنه وإنما يشرفه العمل الصالح، كما قال سلمان الفارسي رضي الله عنه: «إن الأرض لا تقدس أحداً، وإنما يقدس الإنسانَ عملُه» 5. فالموالاة على مجرد قطعة أرض، ومعاداة المسلم الموحد لعدم امتلاكه ورقة انتماء لذلك التراب، هو من الوهن الذي دخل على الأمة جراء التقسيمات التي فرضها المستعمرون.

والأصل الشرعي أن الديار إنما تُحب وتُنصر لِما يظهر فيها من شعائر الإسلام وتحكيم الشريعة، لا لذاتها المجردة. فبلاد التوحيد نصرتها واجبة لكونها مأرز الإيمان ومنطلق الدعوة، لا لكونها عرقاً أو جنساً مخصوصاً، فالحق يدور مع الكتاب والسنة حيث دارا. والمؤمن الحق هو من جعل هواه تبعاً لما جاء به محمد ﷺ، فلا يقدم راية على راية الإسلام، ولا حدوداً على حدود الله. وإن ما يسمى سايكس بيكو وما تبعها من تقسيمات ليست إلا قدراً كونياً، لا يغير من الحكم الشرعي شيئاً في وجوب نصرة المظلوم، وموالاة المؤمن، والبريء من الكافر، مهما كانت المسافات؛ ليبقى المسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

الهوامش

  1. أخرجه ابن حبان (5990) واللفظ له، والبخاري (4905)، ومسلم (2584) باختلاف يسير. ↩

  2. أخرجه البخاري في صحيحه (3754). ↩

  3. أخرجه مسلم في صحيحه برقم (1848) باختلاف يسير، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» برقم (6227) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ↩

  4. «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (28/ 328). ↩

  5. أخرجه الإمام مالك في «الموطأ» (2/ 769) من كلام سلمان الفارسي لأبي الدرداء رضي الله عنهما. ↩

هل أعجبك المقال؟