فقه المزاحمة الرقمية
مقال يتناول كيفية التعامل الشرعي مع وسائل التواصل الاجتماعي، وضوابط المزاحمة الرقمية بين نشر الحق وإماتة الباطل.
أضحت وسائل التواصل الاجتماعي في زماننا هذا فتنة عمت بها البلوى، وصارت ميداناً يموج بما يغضب الله ورسوله. ورغم أن الكثيرين يرونها مجرد أداة محايدة، إلا أن الواقع يشهد أن استخدامها الغالب أصبح بوابة لمحرمات لا حصر لها؛ من مضيعة للأعمار، وهدر للأموال، وانتشار لمناظر التبرج والسفور، وسماع المعازف، والخوض في الباطل. وإن الذي يدخل هذه المنصات وهو يعلم حقيقة ما تبثه من تبذل وتعرٍّ، ثم يقول: أنا لا أقصد الحرام، وإنما أدخل للتسلية المباحة، مثله كمثل من يدخل ملهاً ليلياً ويدعي أنه جاء فقط ليجلس مع صديقه! هذا نوع من خداع النفس؛ فمن دخل مكاناً طواعية وهو يعلم يقيناً أنه سيرى فيه الكاسيات العاريات ويسمع فيه اللغو، فقد عرض دينه للفتنة وباء بالإثم بمجرد الحضور والمشاهدة، وإن لم يكن هذا مبتغاه الأصلي، لأن الأصل هو الابتعاد عن مواطن الشبهات لا الارتماء في أحضانها، وقيل في فقه النفس والوقت: «نفسُكَ إن لم تشغلها بالحق، شغلتك بالباطل» 1.
ولما صار الواقع يفرض وجود فئام من الناس في هذه الميادين المفتوحة التي كثر فيها اللغط، بات من الواجب الشرعي أن يزاحم أهل الحق أهل الباطل، فلا يترك الفضاء لنشر الرذيلة والكفر دون مدافعة. فالإسلام دين الغلبة والظهور، ونشر القرآن والسنة والعلوم الشرعية في هذه المواقع هو جهاد بالبيان يقصد به إعلاء كلمة الله وإغاظة من يكرهون دينه. إن إغاظة الكفار والمبطلين بنشر شعائر الإسلام هي عبادة مقصودة بما تقتضيه نصوص الشرع؛ قال تعالى: ﴿وَلَا يَطَـُٔونَ مَوۡطِئٗا يَغِيظُ ٱلۡكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنۡ عَدُوّٖ نَّيۡلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٞ صَٰلِحٌۚ﴾[التوبة: ١٢٠]. فمجرد ظهور صوت الحق في مواقع التواصل بحيث يضيق به مسلك الباطل هو عمل مبرور، وكما قيل: «حين سكت أهل الحق عن الباطل، توهم أهل الباطل أنهم على حق» 2. وكل منشور فيه «قال الله وقال رسوله» يزاحم صور التبرج، وكل مقطع فيه موعظة يكسر صوت المعازف، هو موطئ يغيظ الشيطان وحزبه، ويثبت الحق في قلوب الحائرين.
ويستند فعل المزاحمة هذا إلى أمر النبي ﷺ بالتضييق على من عاند الحق، كما في قوله: «لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتُموهم في طريقٍ فاضطرُّوهم إلى أضيَقِه» 3. ومعنى هذا في عالمنا الرقمي أن لا نجعل لهم صدر المجالس الافتراضية، بل نغرق هذه المنصات بالمحتوى التوحيدي والأخلاق الإسلامية وفهم السلف الصالح، بحيث يحاصر من يبحث عن الباطل بأنوار الوحي من كل جانب. ومن فقه هذه المزاحمة في العصر الرقمي إهمال المحتوى الهابط وعدم تداوله ولو بنية النقد، امتثالاً لقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «أميتوا الباطل بالسكوت عنه، ولا تثرثروا بذكر الباطل فيعظم في نفوس الناس» 4، وبدلاً من ذلك تُكثف الجهود لتكثير سواد أهل الحق في التعليقات والتفاعل لتكون للقيم الإسلامية الغلبة الخوارزمية التي تقهر باطلهم.
ومع ذلك، فإن الشريعة الإسلامية بلغت ذروة الإحكام بالجمع بين العزة والتضييق وبين البر والإقساط. فلا منافاة بين أن نزاحمهم في الطريق المعنوي والظهور الرقمي، وبين قوله تعالى: ﴿لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٨ إِنَّمَا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَأَخۡرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ وَظَٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخۡرَاجِكُمۡ أَن تَوَلَّوۡهُمۡۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾[الممتحنة: ٨-٩]. فمن كان منهم جاراً أو قريباً أو فقيراً مستأمناً، فله حق البر والصدقة وحسن المعاملة، لأن هذا من الدعوة إلى الله بعمل الجوارح.
إن هذا التوازن الدقيق هو ما تميز به من هم على الصراط المستقيم؛ فالمسلم في مواقع التواصل يجب أن يكون صعباً منيعاً في دينه، رحيماً محسناً في تعامله مع الأشخاص الذين يرجى خيرهم. وإلى كل من يملك القدرة والوقت: لا تكن مستقبلاً للسموم فحسب، بل كن ناشراً للترياق. اجعل حسابك منبراً للدعوة وصيانة الفطرة، ولعل عيناً تقع على ما نشرت وهي مارة في بحر الباطل فتهتدي بسببك، فتكون لك صدقة جارية يغير الله بها مسار النفوس، ولعل الله يعذرك بما بذلت في وسط هذا الزخم من المنكرات، لتكون حجة لك لا عليك يوم العرض الأكبر.
الهوامش
-
انظر: «الجواب الكافي» لابن القيم (ص: ١٥٦). ↩
-
مقولة مشهورة تجري على الألسنة، ويُنظر في معناها: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٨/ ٦٤). ↩
-
أخرجه مسلم في «صحيحه»، كتاب السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام (٢١٦٧). ↩
-
يُروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وانظر: «جامع العلوم والحكم» لابن رجب الحنبلي، أو «الآداب الشرعية» لابن مفلح. ↩
