انتقل إلى المحتوى الرئيسي
تاريخ النشر:٤ دقائق للقراءة

الجرأة على مقام التوقيع

مقال يحذر من خطورة الفتوى بغير علم، ويستعرض ورع السلف الصالح في تدافع الفتيا، وآثارها الكارثية على الفرد والمجتمع.

الجرأة على مقام التوقيع

تتهافت الألسن في زماننا هذا على القول في دين الله بغير حساب، حتى غدت المسائل العظام التي كان يجمع لها عمر بن الخطاب أهل بدر، تُحل في تعليق عابر أو فتوى مرتجلة عبر شاشات الهواتف. إن الجرأة على الفتيا دون علم أو ورع ليست مجرد تسرع في القول، بل هي اقتحام لمقام التوقيع عن رب العالمين، وتجرؤ على إخبار الخلق بمراد الخالق دون بصيرة ولا برهان؛ قال الله تعالى محذراً من هذا المزلق الخطير: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ[النحل: ١١٦]، وقد قرن سبحانه القول عليه بغير علم بفاحشة الشرك في كتابه الكريم، قال تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡيَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَأَن تُشۡرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ[الأعراف: ٣٣]. وما علم هؤلاء المتسارعون أن الفتوى أمانة تنوء بحملها الجبال، وأن الكلمة إذا خرجت في حكم شرعي لم تكن مجرد رأي شخصي، بل هي نسبة حكمٍ لله عز وجل، فمن أين لهؤلاء الجرأة على من يعلم السر وأخفى؟

ولقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- وهم أعلم الأمة وأصفاها نفساً، يتدافعون الفتوى ويهربون منها خوفاً من المسؤولية؛ فقد روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ، يُسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول» 1. فإذا كان من عاين الوحي وشاهد التنزيل يمتنع عن الكلام عند وجود من هو أعلم منه، فكيف يجترئ عامي لا يعرف مبادئ الطهارة أن يبت في أعظم المسائل؟ إنه التهاون الذي غابت فيه كلمة «لا أدري» عن ألسنتنا، رغم أنها كانت شعار الأئمة الكبار؛ فقد سُئل الإمام مالك عن أربعين مسألة، فأجاب في ست منها وقال في الباقي: «لا أحسنها» 2.

إن الفتوى بغير علم ليست مجرد خطأ لفظي، بل هي قنبلة موقوتة قد تهدم كيانات بأكملها؛ فكم من فتوى جاهلة في مسائل الطلاق فرقت بين زوجين كان بينهما ود، أو جعلتهما يعيشان في الحرام وهما لا يعلمان. وكم من فتوى باطلة قد تزهق نفساً معصومة، كما في قصة الرجل الذي جُرح في رأسه فسأل أصحابه هل له من رخصة في التيمم فأفتوه بالغسل فمات، فقال النبي ﷺ في حقهم: «قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال» 3. كما أن تدخل الجهلة في أموال الناس وأعراضهم قد يقطع أرحاماً أمر الله بها أن توصل، فيحمل المفتي بغير علم وزر كل لحظة جفاء أو ضياع حق تسبب فيه بجهله.

ويظن البعض أن الأمر سهل، لكن الحقيقة أن من أفتى بغير علم حمل ذنب المستفتي؛ قال رسول الله ﷺ: «من أفتي بغير علم، كان إثمه على من أفتاه» 4. فكل معصية يرتكبها الشخص بناءً على جوابك المرتجل تُكتب في صحيفتك، وأنت في غنى عن حمل أوزار الناس مع أوزارك، وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: «يا أيها الناس، من علم شيئاً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم» 5. إن السلامة لا يعدلها شيء، ومن ترك مقام الفتوى لأهله من العلماء الراسخين فقد نجا بدينه. فالزم جادة الورع، وأرشد السائل إلى أهل الذكر، فلأن تلقى الله بجهلك أهون من أن تلقاه بعد أن أضللت عباده أو هدمت بيوتهم بظنونك التي لم تقم على أثر من علم.

الهوامش

  1. أخرجه الدارمي في «سننه» (١٣٧) وابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ١٦٣).

  2. يُنظر: «ترتيب المدارك وتقريب المسالك» للقاضي عياض (١/ ١٨٢).

  3. أخرجه أبو داود في «سننه» (٣٣٦) وحسنه الألباني.

  4. أخرجه أبو داود (٣٦٥٧) وابن ماجه (٥٣) وحسنه الألباني في «صحيح الجامع».

  5. أخرجه البخاري في «صحيحه» (٤٨٠٩) ومسلم (٢٧٩٨).