الإستواء معلوم
بيان منهج أهل السنة والجماعة في إثبات صفة الاستواء لله عز وجل، والرد على شبهات المتأولين وفق فهم السلف الصالح.
تُعدُّ صفةُ الاستواء من الصفات الفعلية الخبرية التي أجمع سلف الأمة على إثباتها لله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله، وهي من أوضح الدلائل على علوِّ الله وفوقيته على خلقه. وقد ورد ذكر الاستواء في القرآن الكريم في سبعة مواضع، كلها بلفظ واحد: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ﴾[طه: ٥]، مما يقطع الطريق أمام المتخرصين والمتأولين الذين حاولوا صرف اللفظ عن حقيقته بلا دليل من لغة أو أثر. والاستواء في لغة العرب إذا عُدِّي بـ «على» لا يحتمل إلا معنى العلو والارتفاع والاستقرار والصعود، وهذا المعنى هو الذي يليق بذات الله العلية، فاستواؤه سبحانه استواءٌ حقيقيٌّ يقتضي علوَّه فوق العرش، والعرشُ فوق السماوات، واللهُ بائنٌ من خلقه، لا يحلُّ في شيءٍ من مخلوقاته، ولا يحلُّ في ذاته شيءٌ من خلقه، وقد نقل الإمام البخاري في صحيحه عن أئمة التابعين كأبي العالية ومجاهد قولهما: «اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ: أَيْ عَلَا وَارْتَفَعَ» 1.
وقد وضع الإمام مالك بن أنس رحمه الله القاعدة الذهبية التي صارت ميزاناً لأهل السنة في التعامل مع الصفات الغيبية، وذلك حين جاءه رجلٌ فقال: «يا أبا عبد الله، ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ﴾، كيف استوى؟». فأطرق مالكٌ حتى علاه الرُّحضاء من عظم السؤال، ثم قال مقالته الشهيرة: «الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ» 2. وهذا يقرر منهجاً وسطاً يثبت المعنى اللغوي المفهوم، ويفوّض الكيفية المجهولة إلى الله، فلا نُشبه استواءه باستواء المخلوقين، ولا ننفي حقيقة الاستواء بدعوى الفرار من التشبيه، بل نؤمن بالحقيقة ونكل العلم بالكنه إلى عالم الغيب والشهادة.
وفي المقابل، زعم أهل الكلام والتعطيل أن معنى «استوى» هو «استولى»، وهي شبهةٌ باطلةٌ لغةً وشرعاً؛ إذ لم يُعرف في لغة العرب هذا الترادف إلا في بيت شعرٍ مجهولٍ لا يُحتج به، فضلاً عن فساد المعنى الذي يقتضيه القول بالاستيلاء، إذ يوهم أنه كان هناك مغالبةٌ أو منازعٌ للعرش ثم غلبه الله، وهذا محالٌ في حق القوي العزيز الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما. وقد أطبق الصحابة والتابعون على إثبات العلو والارتفاع، ولم ينقل عن أحد منهم تأويل الاستواء بالاستيلاء، مما يجعل هذا القول محدثاً ومخالفاً لما كان عليه صدر هذه الأمة، وصدق الإمام الأوزاعي حين قال: «كنا -والتابعيون متوافرون- نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته» 3.
إن ثمرة الإيمان بأن الرحمن على العرش استوى تتجلى في تعظيم الخالق في القلب؛ فحين يعلم العبد أن ربه فوق كل شيء، محيطٌ بكل شيء، لا يخفى عليه من أمر خلقه خافية، يمتلئ قلبه هيبةً وإخباتاً. وتدفع الفطرة البشرية العبد لرفع يديه إلى السماء عند المسألة، لأن القلب مجبولٌ على أن الله في العلو، وهو ما أقره النبي ﷺ حين سأل الجارية: «أَيْنَ اللهُ؟» قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» 4. فإثبات المباينة يقطع الطريق على المذاهب المنحرفة كالطلولية والاتحادية، ويحقق التوحيد الخالص بأن الله فوق عرشه بائن من خلقه، وعقيدة أهل السنة والجماعة هي إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ بلا تكييف ولا تمثيل، فنقول: استوى بلا كيف، وعلا بلا تشبيه، والإيمان بالحقيقة هو سبيل النجاة والاتباع.
الهوامش
-
أخرجه البخاري تعليقاً في «صحيحه»، كتاب التوحيد، باب: {وكان عرشه على الماء}. ↩
-
أخرجه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٣/ ٣٩٨)، وأبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٣٢٥) بألفاظ متقاربة. ↩
-
أخرجه البيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ٣٠٤) بإسناد صحيح. ↩
-
أخرجه مسلم في «صحيحه»، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة (٥٣٧). ↩
