لزوم الجماعة وأصل الطاعة
بيان لأصل من أصول أهل السنة والجماعة في وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر وحرمة الخروج عليهم وآثار ذلك على استقرار الأمة.
إن من أعظم الأصول التي تمايز بها أهل السنة والجماعة عن أهل الأهواء والبدع، هو تقرير السمع والطاعة لولاة أمر المسلمين في غير معصية الله، وهذا الأصل لم يكن نتيجة رهبة أو رغبة، بل هو دين يدينون الله به، استناداً إلى قول الباري جل وعلا: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ﴾[النساء: ٥٩]، وقول النبي ﷺ: «عليك بالسمع والطاعة في عُسرك ويُسرك، ومَنْشَطِك ومَكْرَهك، وأَثَرَةٍ عليك» 1، فجعل الشارع طاعة ولي الأمر تبعاً لطاعة الله ورسوله، صيانة لبيضة المسلمين، وحفظاً لنظام حياتهم من التشرذم والضياع.
وقد أجمع سلف الأمة على حرمة الخروج على الأئمة وإن جَاروا، ما لم يروا كفراً بَواحاً عندهم فيه من الله برهان، وذلك لعلمهم أن مفسدة الخروج تربو بأضعاف مضاعفة على مفسدة ظلم الحاكم، وفي ذلك يقول الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-: «ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسُمي أمير المؤمنين، فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً، بَرّاً كان أو فاجراً» 2، وهذا الموقف هو الذي حفظ دماء المسلمين ومنع الفتن العمياء؛ إذ إن جَوْر الملوك -كما قال الحسن البصري- نقمة من نقم الله لا تُستقبل بالسيوف، وإنما بالتوبة والإنابة والإقلاع عن الذنوب التي كانت سبباً في تسليطهم 3.
إن الناظر في سير الأمم وحوادث التاريخ يجد الشواهد القاطعة على صدق هذا المنهج النبوي، فما خرج قوم على سلطانهم إلا كان ما يفسدونه أكثر مما يصلحونه؛ فقد كان خروج الخوارج في الصدر الأول سبباً في إراقة الدماء الزكية وتفريق الكلمة، وفي العصور المتأخرة تتجلى الفاجعة في تجارب عديدة رُفعت فيها شعارات الإصلاح وإسقاط الظلم، فكانت النتيجة ضياع الأمن، واستباحة الحرمات، وتهجير الملايين، وتمكين الأعداء من العبث بمقدرات الديار، حتى صار الناس يتمنون يوماً من أيام الاستقرار السابق، تصديقاً لقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «ستون سنة من إمام جَائر أصْلَح من ليلة واحدة بلا سلطان» 4.
ولقد دون أمير المؤمنين في الحديث الإمام البخاري هذا الأصل كإجماع منقول عن أكثر من ألف رجل من علماء الأمصار، فقرر أن مما اجتمعوا عليه هو السمع والطاعة للأئمة، وألا يُنازع الأمر أهله، وألا يرى الخروج عليهم 5؛ فالخلاصة أن لزوم الطاعة ليس تهاوناً مع الظلم، بل هو عقل راجح ودين قويم يؤثر المصلحة العامة على الفوضى المريقة للدماء، ويحفظ للمسلمين بيضتهم وأمنهم، فمن خالف ذلك فقد خالف سبيل السلف الصالح وفتح على الأمة باباً من الشر لا يسد إلا بمشيئة الله، فاللهم أصلح رعاتنا ورعايانا وقنا فتن الضلال.
الهوامش
-
أخرجه مسلم في «صحيحه» (١٨٣٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ↩
-
يُنظر: «أصول السنة» للإمام أحمد بن حنبل (رواية عبدوس بن مالك العطار). ↩
-
يُنظر: «الآداب الشرعية» لابن مفلح (١/ ١٩٦). ↩
-
يُنظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٨/ ٣٩١). ↩
-
يُنظر: «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» للالكائي (١/ ١٧٣) نقلاً عن اعتقاد البخاري. ↩
