تاريخ النشر:
4361

الإستهانة بحرب الله

تحليل شرعي واجتماعي يكشف كيف تحولت المغالاة في المهور من مجرد مفاخرة اجتماعية إلى فخٍّ يدفع الشباب نحو محاربة الله بالربا والقروض.

 الإستهانة بحرب الله

إنّ من أعظم الموبقات التي نزلت بساحة الناس في هذا الزمان، تلك الاستهانة بجريمة الربا، الذي هو من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله، وقد جاء الوعيد فيه بما لم يرد في غيره من معاصي الجوارح، حيث جعله الله تعالى مع معاداة أوليائه الصالحين الموضعين اللذين أعلن الله فيهما الحرب على العبد؛ فقال سبحانه في محكم تنزيله: ﴿فَأْذَنُوا۟ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ ﴾ [البقرة: 279]، وجاء في الحديث القدسي الذي رواه البخاري: «من عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب» 1. فيا له من خذلان أن يتعرض العبد الضعيف لحرب خالقه ومولاه من أجل عرض زائل من الدنيا، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما في تشنيع هذه المعصية: «يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب» 2.

ولكنّ العجب كل العجب من أقوام صاروا يتعاملون بهذه الكبيرة وكأنها ضرورة حياتية، حتى طمّت البلية وعمّت، وأصبح الكثير من الرجال يرون أن غلاء المعيشة عذر يُبيح لهم دخول بيوت الربا، وهذا انتكاس في الفهم وضعف في اليقين؛ إذ كيف يُستشفى من الفقر بما يجلب غضب الغني سبحانه؟ وقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إن الربا وإن كثر، فإن عاقبته تصير إلى قُلّ» 3، أي إلى نقص ومحق.

وإنّ مما يدمي القلب أن شباب الأمة اليوم، بدل أن يبدأوا حياتهم بالطاعة وطلب البركة، صاروا يستفتحون حياتهم الزوجية بمحاربة الله، فلا يكاد الشاب يفكر في بناء الأسرة إلا ويجعل القرض الربوي هو الوسيلة الوحيدة، ظناً منه أن الرزق ينال بمعصية الرازق، ونسي هؤلاء قول النبي ﷺ: «إن روح القدس نفث في روعي، أن نفساً لن تموت حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها، فاتَّقوا الله، وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته» 4. إن البيت الذي يُبنى على الربا منزوع البركة محفوف بالشقاء، فالله يمحق الربا ويربي الصدقات، وكيف يرجو العبد توفيقاً وهو يتقلب في سحتٍ لعن رسول الله ﷺ آكله وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: «هُم سَواءٌ» 5.

وعلى هذا المقام، فإن المسؤولية لا تقع على عاتق الشباب وحدهم، بل تمتد لتشمل أولياء الأمور الذين أسرفوا في طلب المهور وتفاخروا بتكاليف النكاح، فضيقوا على عباد الله ما وسعه الله، فيا معشر الأولياء، اتقوا الله في بناتكم، واعلموا أن النبي ﷺ قال: «خيرُ الصَّداق أيسرُه» 6. فلا تنزعوا البركة من بناتكم بالمغالات والمباهات، فمن تيسير النكاح تيسير الأرزاق، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «ألا لا تغالوا صدقة النساء فإنها لو كانت مَكرمةً فى الدُّنيا أو تقوى عند الله لكان أولاَكم بها نبيُّ الله ﷺ ما علمتُ رسول الله ﷺ نكح شيئًا من نسائه ولا أنكح شيئًا من بناته على أَكثر من ثنتي عشرة أوقيَّةً» 7.

إن النصيحة لكل ولي أمر أن يكون عوناً على البر والتقوى، وأن يصون بناته وأبناء المسلمين من الحرام بتيسير سبل الحلال، فالمجتمع المسلم كالبنيان المرصوص، إذا صلحت فيه النفس الواحد بالقناعة وتعظيم حرمات الله تبعها صلاح المجتمع كله. فتعاونوا على إحياء السنة في التيسير، وحاربوا الربا بترك المظاهر الخادعة، وثقوا أن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته، وأن البركة في القليل الخالي من الإثم خير من كثير يجلب الحرب من الله والجحيم في الآخرة.

الهوامش

  1. أخرجه البخاري في «صحيحه» (6502) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ↩

  2. يُنظر: «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (1/ 546) عند تفسير آية الربا. ↩

  3. أخرجه ابن ماجه (2279)، وأحمد (3754) واللفظ له. ↩

  4. أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (10/ 26)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (2085). ↩

  5. أخرجه مسلم في «صحيحه» (1598) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه. ↩

  6. أخرجه الحاكم (2742)، والبيهقي (14448)، وأبو داود (2117). ↩

  7. أخرجه الترمذي (1114) واللفظ له، وأبو داود (2106)، وأحمد (340) باختلاف يسير، والنسائي (3349) مطولًا. ↩

هل أعجبك المقال؟