الإستهانة بحرب الله
تحليل شرعي واجتماعي يكشف كيف تحولت المغالاة في المهور من مجرد مفاخرة اجتماعية إلى فخٍّ يدفع الشباب نحو محاربة الله بالربا والقروض. المقال يستعرض آثار السحت على البركة الزوجية ويقدم خارطة طريق للأولياء لتيسير الحلال.
إنّ من أعظم الموبقات التي نزلت بساحة الناس في هذا الزمان، تلك الاستهانة بجريمة الربا، الذي هو من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله، وقد جاء الوعيد فيه بما لم يرد في غيره من معاصي الجوارح، حيث جعله الله تعالى مع معاداة أوليائه الصالحين الموضعين اللذين أعلن الله فيهما الحرب على العبد؛ فقال سبحانه في محكم تنزيله: ﴿فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ﴾[البقرة: ٢٧٩]، وجاء في الحديث القدسي الذي رواه البخاري: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيّاً فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ» 1. فيا له من خذلان أن يتعرض العبد الضعيف لحرب خالقه ومولاه من أجل عرض زائل من الدنيا، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما في تشنيع هذه المعصية: «يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب» 2.
ولكنّ العجب كل العجب من أقوام صاروا يتعاملون بهذه الكبيرة وكأنها ضرورة حياتية، حتى طمّت البلية وعمّت، وأصبح الكثير من الرجال يرون أن غلاء المعيشة عذر يُبيح لهم دخول بيوت الربا، وهذا انتكاس في الفهم وضعف في اليقين؛ إذ كيف يُستشفى من الفقر بما يجلب غضب الغني سبحانه؟ وقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إن الربا وإن كثر، فإن عاقبته تصير إلى قُلّ» 3، أي إلى نقص ومحق.
وإنّ مما يدمي القلب أن شباب الأمة اليوم، بدل أن يبدأوا حياتهم بالطاعة وطلب البركة، صاروا يستفتحون حياتهم الزوجية بمحاربة الله، فلا يكاد الشاب يفكر في بناء الأسرة إلا ويجعل القرض الربوي هو الوسيلة الوحيدة، ظناً منه أن الرزق ينال بمعصية الرازق، ونسي هؤلاء قول النبي ﷺ: «إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي، أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أَجَلَهَا، وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَهَا، فَاتَّقُوا اللهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ» 4. إن البيت الذي يُبنى على الربا منزوع البركة محفوف بالشقاء، فالله يمحق الربا ويربي الصدقات، وكيف يرجو العبد توفيقاً وهو يتقلب في سحتٍ لعن رسول الله ﷺ آكله وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: «هُمْ سَوَاءٌ» 5.
وعلى هذا المقام، فإن المسؤولية لا تقع على عاتق الشباب وحدهم، بل تمتد لتشمل أولياء الأمور الذين أسرفوا في طلب المهور وتفاخروا بتكاليف النكاح، فضيقوا على عباد الله ما وسعه الله، فيا معشر الأولياء، اتقوا الله في بناتكم، واعلموا أن النبي ﷺ قال: «أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مَئُونَةً» 6. فلا تنزعوا البركة من بناتكم بالمغالات والمباهات، فمن تيسير النكاح تيسير الأرزاق، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لا تغالوا في صُدُقِ النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله، كان أولاكم بها النبي ﷺ» 7.
إن النصيحة لكل ولي أمر أن يكون عوناً على البر والتقوى، وأن يصون بناته وأبناء المسلمين من الحرام بتيسير سبل الحلال، فالمجتمع المسلم كالبنيان المرصوص، إذا صلحت فيه النفس الواحد بالقناعة وتعظيم حرمات الله تبعها صلاح المجتمع كله. فتعاونوا على إحياء السنة في التيسير، وحاربوا الربا بترك المظاهر الخادعة، وثقوا أن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته، وأن البركة في القليل الخالي من الإثم خير من كثير يجلب الحرب من الله والجحيم في الآخرة.
الهوامش
-
أخرجه البخاري في «صحيحه» (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ↩
-
يُنظر: «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (١/ ٧١٤) عند تفسير آية الربا. ↩
-
أخرجه ابن ماجه (٢٢٧٩) والحاكم في «المستدرك» (٢٢٥٩) وصححه. ↩
-
أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ٢٧)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٢٠٨٥). ↩
-
أخرجه مسلم في «صحيحه» (١٥٩٨) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه. ↩
-
أخرجه الإمام أحمد في «المسند» (٢٤٥٢٩) والبيهقي في «الشعب»، وحسنه بعض أهل العلم. ↩
-
أخرجه الترمذي (١١١٤) وأبو داود (٢١٠٦) والنسائي (٣٣٤٩) بإسناد صحيح. ↩
